محمد عبد الكريم عتوم
142
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
الظروف وتباعد المواطن . وذلك إنما يقوم على النظر والموازنة بين ما حدث في زمن الرسالة وما حدث بعدها ، أو التحقق من وجود المماثلة بين الحوادث السابقة والحوادث اللاحقة ، ثم البحث عن المقتضيات والموانع وعن معاني النصوص وما يراد بها ، وهي أمور تختلف فيها الآراء ، فنشأ بسبب ذلك الخلاف والتنوع ، فمنه خلاف في الوقائع السابقة وظروفها وتحقيق مناظر الأحكام فيها . وقد استتبع النظر في النصوص ، النظر في القياس ، والبحث عن روح التشريع الإسلامي ، واستنباط أصوله العامة في مختلف القواعد والأحكام ، ثم تطبيق ذلك على الوقائع . لقد كان أول اختلاف في الرأي بعد وفاة الرسول ( ص ) حول مسألة الخلافة ومن يخلفه من أصحابه في ولاية أمر المسلمين ، وظل هذا الخلاف مستمراً وكان من آثاره ظهور الفرق الإسلامية ، والمذاهب الإسلامية المختلفة في الأحكام الشرعية . ويمكن القول إن أي باحث موضوعي في تاريخ الفرق الإسلامية ، وخاصة أهل السنة والجماعة ، والشيعة الإمامية ، يرى أن هناك تداخلًا وتطابقاً بين الجماعتين في أساسيات الإسلام ، بحيث يصعب على الباحث تمييز أحدهما عن الآخر ، فكلاهما يؤمن بأساس الدين الإسلامي وأركانه الأساسية . فالدين الإسلامي بالمعنى الضيق يقوم على أركان ثلاثة هي الله عز وجل ، ومحمد ( ص ) ، والقرآن الكريم . والمسلمون سنة وشيعة مجمعون على هذا المثلث الإيماني " الله ، محمد ( ص ) ، القرآن الكريم . " فالقرآن الكريم الذي بين أيدينا هو من عند الله ، بدون زيادة أو نقصان ، نزل على سيدنا محمد ( ص ) ، أما غير القرآن من كتابات فهي حتماً دونه ، ولا تصل إلى مرتبته مهما حاول البعض إضفاء القداسة عليها ، سواء سميت هذه الكتابات تفاسير للقرآن ، أو أحاديث نبوية ، أو آراء فقهية ، فهي دون القرآن الكريم وبها تكمن الخلافات . لقد قبل المسلمون السنة ، بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، في حين لم يقبل الشيعة الإِثنا عشرية خلافة الثلاثة الأوائل ، واعترفوا بخلافة علي وولديه الحسن والحسين ، ومن بعده أبنائه الأئمة ، ومنذ ذلك الوقت - 1400 سنة تقريباً - لا يزال المذهبان يتصارعان حول هذه المسألة ، وكل منهما يرفض التسليم للآخر ، وهو من دون شك جدلٌ لا طائل تحته ، حيث إن العلم به لا ينفع ، مثلما أن الجهل به لا يضر . فالمسلم المعاصر لا يعطي مثل هذه المسألة حول